Uncategorizedمقالات
أخر الأخبار

من شعوب عديدة الي شعب واحد

دكتور محجوب سليم يكتب ...

يعتقد أن السودان يتكون من أكثر من 580 قبيلة أو مجموعة عرقية. لست متأكدا إلى أي مدى دقة هذا الرقم؛ ومع ذلك، دعونا نفترض أنه صحيح. ويقال أيضا إن إجمالي سكان السودان يقدر بأكثر من 50,000,000 نسمة. لست متأكدا من دقته أيضا. لكن دعونا نفترض أن كل هذه الأرقام صحيحة. السؤال إذن لماذا يصبح هذا التكوين المتنوع الجميل مصدرا للصراع والعنف بدلاً من أن يكون مصدرا للإستقرار والأمن والنماء؟ يتساءل المرء أيضاً كيف لدولة مثل الهند— أكثر الدول سكانا في العالم، التي يبلغ عدد سكانها 1.47 مليار نسمة و2,000 مجموعة عرقية — في سلام وأمان وإستقرار خلال كل هذه الحقبة والأوقات المضطربة. وكيف أيضاً لدولة مثل إندونيسيا — التي يبلغ عدد سكانها 287.9 مليون نسمة، وأكثر من 1,340 مجموعة عرقية ، وباعتبارها رابع أكبر دولة في العالم—من العيش بسلام ووئام ورفاهية؟ وكيف يمكن لدولة مثل نيجيريا، التي يبلغ عدد سكانها 241 مليون نسمة وأكثر من 300 مجموعة عرقية، أن تعيش بسلام وأمان أيضاً؟

ما الذي يمنع الشعوب السودانية من أن تصبح شعباً واحداً قوياً؟ ما الذي يعيق الشعوب السودانية من دفن خلافاتها البسيطة بشكل سلمي وتصبح شعباً واحداً معافي؟ ما الذي يعيق جهود وإرادة الشعوب السودانية لجعل السودان مكانا أفضل يستوعب ثقافاته وخلفياته المتنوعة؟ ما الذي يعيق طاقة وحيوية الشعوب السودانية لتكون شعباً واحداً قوياً قادراً على إحداث فرق حقيقي في العالم؟ هل السبب هو أن الشعوب السودانية تفتقر إلى الحوكمة الجيدة والقيادة الرشيدة؟ أم أن الشعوب السودانية تفتقر إلى الرؤية المشتركة؟ أو ربما لأن الشعوب السودانية تبدو مختلفة تماما بسبب قانون الوجوه الغريبة العنصري؟ أو ربما تعاني الشعوب السودانية من أزمة في هويتها؟ أم أن المعتقدات الروحية والأديان والممارسات التقليدية للشعوب السودانية فشلت في العيش في وئام مع بعضها البعض؟ أم أن السودان كبير جدا لتلبية طموحات شعوبه أو صغير جدا ليرضي مصالح شعوبه ؟ أم أن القوات المسلحة للدول خانتهم بالتخلي عن مهمتها النبيلة في حمايتهم، وحماية الدستور الوطني، والحدود؟ أو ربما ما يسمى بالأحزاب السياسية الوطنية في حالة حرب مع بعضها منذ الإستقلال السياسي لهذا الوطن؟ أم أن منظمات المجتمع المدني السودانية العديدة تخلت عمداً عن مهمتها ورؤيتها المشتركة لحماية والدفاع عن مصالح وطموحات الشعوب السودانية من بطش الدولة؟ أم لأن عدم وجود دستور ديمقراطي دائم أو مشروع وطني منذ الإستقلال السياسي لهذا البلد التعيس؟ أم أن الشعوب السودانية نفسها ما زالت استمرت في سذاجتها وبراءتها في أخذ الأمور علي ظاهرها بشكل مطلق؟

يجب علينا أن نرحب ونستقبل هذه الأسئلة المزعجة بصدر رحب، ونقبله، ونجيب عليها بشجاعة من قبلنا جميعاً دون إستثناء. من المؤسف حقاً أن القيادة السياسية السودانية تفتقر إلى الإرادة والشجاعة الكافية للإجابة على هذه الأسئلة. ستظل الشعوب السودانية مجزأة ومشتتة حتى يكتسب السياسيون السودانيون الشجاعة الكافية للإجابة على هذه الأسئلة. لن تتحول الشعوب السودانية المتفرقة إلى شعب واحد قوي ما لم تجد القيادة السياسية السودانية الشجاعة الكافية لجعل الأمور في وضع أفضل وذلك من خلال الإجابة بشجاعة على هذه الأسئلة المثارة.

إذهب إلى الهند وشاهد بعينيك المجردة كيف تمكنت القيادة الهندية من تحويل شعوبها المتنوعة إلى شعب واحد عملاق وقوي يمتلك قنبلة نووية. يمكنك أن تتصفح أحكام دستورهم لتتعلم كيف يصنع الدستور الجيد. إذهب إلى تنزانيا وشاهد بعينيك المجردة أيضاً كيف تمكنت القيادة التنزانية من تحويل قبائلها ومجموعاتها العرقية إلى شعب واحد ديناميكي. إذهب إليها لتتعلم من إرث ‘الأب الروحي للشعب’، يوليوس كامباراجي نيريري؛ أيضا، إسأل عن الكيفية التي أدار بها الرئيس السابق جون بومبي ماقوفولي والرئيسة الحالية سامية سولوهو حسن دول تنزانيا لفهم كيف حافظوا عليها كشعب وأمة موحدة وكيف تمكنوا من تحويل الشعوب المتنوعة إلى شعب واحد. إنزلوا عن غروركم وعنادكم ياقادة السودان السياسين وإذهبوا إلى رواندا وبوتسوانا وأسألوا رؤساءهم الحاليين، بول كاغامي ودوما قيديون بوكو، نفس السؤال عن كيف فعلتم كل هذه الطفرة. الناس يتعلمون من خلال السؤال. إذا لم تسأل، فلن تتعلم أبدا؛ وبالمثل، إذا لم تتخلى عن غرورك، فلن تتعلم أبدا. الغرور هو أحد التحديات الحقيقية في السودان.

تحويل الشعوب إلى شعب واحد هو شرط أساسي لكي تنطلق الدولة وتعبر. من واجب القيادة الوطنية أن تزود نفسها بالإرادة السياسية الكافية والشجاعة لتحويل شعوبهم إلى شعب واحد. الرؤية والرسالة المشتركة، والمشروع الوطني الواضح، والخطة الإستراتيجية الواضحة، والأتباع المخلصين والملتزمين والمطلعين، والقيادة الجيدة، والحكم الرشيد هي عناصر أساسية لأمة صحية. من المؤسف أن السودان يفتقر إلى كل هذه العوامل المكونة لشعب قوي.

الشعوب السودانية تلجأ إلى قبائلها ومجموعاتها العرقية بدلا من اللجوء لاي دولتهم لأن القبيلة توفر لهم الأمن والسلام والملاجئ الآمنة. رؤى القبائل والمجموعات العرقية ومهامها وأهدافها الإستراتيجية وخططها ومشاريعها تتفوق على تلك الخاصة بالدولة الأم. لن تلتزم الشعوب السودانية أبدا بتوجيهات وسياسات الحكومة أو تستجيب لها إلا إذا شعرت أن استراتيجيات الحكومة وبرامجها تستجيب لمصالحهم وطموحاتهم. ستظل قبائلهم ومجموعاتهم العرقية مناطق راحتهم حتى تقوم الدولة بتحويلهم إلى شعب واحد.

أختم بالقول إن الغرور صفة ضارة؛ يجب على القيادة السودانية أن تتخلص منها إذا كانت تسعى حقا لتحقيق تحول حقيقي. التعلم من أفضل الممارسات العالمية هو نقطة دخول حقيقية لعملية تحول حقيقي. دعونا ننسخ هذه الممارسات الأفضل من العالم الخارجي و مؤاومتها وندمجها في سياساتنا وإستراتيجياتنا المحلية.

تتلاشى الشعوب حينما تفتقر الي الرؤية والبوصلة.

محجوب
كمبالا – يوغندا 9

Mawada Hamad

مودة حمد صحفية سودانية رئيس تحرير منصة (The African Lens) متخصصة في التحقق من المعلومات (fact_checking) مهتمة بقضايا اللاجئين والنساء والاطفال .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى