Uncategorizedمقالات
أخر الأخبار

دكتور محجوب سليم يكتب

مرة أخرى: خطاب الكراهية والوجوه الغريبة

كلما طال أمد هذه الحرب غير المنطقية، زاد خطاب الكراهية. يجب لهذه أن تتوقف فورا؛ وإلا، سيصل خطاب الكراهية إلى مستوى يصبح فيه خارج السيطرة وغير قابل للإدارة. ثقافة خطاب الكراهية واللغة التحريضية غريبة عن التقاليد والقيم والمعايير السودانية. يجب القضاء عليه في مهده قبل أن يخرج عن السيطرة. لن يكون السودان مرتاحا أو في مأمن أبدا طالما ترك مروجو خطاب الكراهية بلا عقاب. ومن المفارقات أن مروجي خطاب الكراهية في البلاد هم عدد قليل جدا يمكن عدهم علي أصابع اليد الواحدة. ومع ذلك، يستمرون في إحداث كل هذه الفوضى والاضطرابات. يعكس مثل هذا الوضع هشاشة وضعف حكومة الأمر الواقع العسكرية مع رئيس وزرائها الدمية.

يجسد قانون “الوجوه الغريبة” أبشع أشكال خطاب الكراهية، والذي سيسجل في سجلات تاريخ السودان. وهو مطابق لقانون المناطق المقفولة في حقبة الاستعمار حيث يتماشي هذا القانون مع السياسات التمييزية والإقصائية التي مارسها نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. لنفترض أنه، كرد فعل لهذا القانون السيئ، أصدرت أجزاء أخرى من البلاد قوانين مماثلة حرمت حق بعض الجماعات العرقية السودانية في دخول أراضيها. تخيل فقط ماذا ستكون النتيجة. ستكون التداعيات ضارة جدا بوحدة واستقرار وسلامة هذا الوطن. أخبرني أحد أصدقائي أن مثل هذا القانون لم يصدر من قبل حكومة الأمر الواقع العسكرية. أخبرته أن هذا النظام الآن يطبق وبشكل كامل. سادة وسيدات، دعونا ندعوا الأشياء بأسماءها. هذا الوطن لن يقف على قدميه حتى ندعوا الأشياء بأسماءها ونتخلص. إن ثقافة ‘المراوغة’ هي التي أوصلت الشعب السوداني إلى هذا الوضع غير السعيد. إن ثقافة “دفن الرؤوس في الرمال” هي التي تعيق قدرتنا على الوحدة.

السودان بحاجة ماسة إلى برامج وتدخلات لبناء الثقة بين شعوبه بدونها بلا شك سينهار ويتشتت الوطن إلى أشلاء. لقد ترسخ عدم الثقة بين الشعوب السوداني بشكل عميق في جميع أنحاء البلاد. لا أحد يثق بأي شخص ولا أحد يستمع لأحد. كل شخص يعتمد على نفسه. الجميع يؤمن بشدة بأن له الحق المطلق وأن الآخرين مخطئون تماما. جميعهم مصرون على عدم الاستماع لنصائح الآخرين. الجميع يغمضون آذانا صماء ويتغاضون عن الآخرين؛ جميعهم متعجرفون وعنيدون ومقتنعون بأنهم يعرفون كل شيء. الجميع قادة، لا أحد يريد أن يقاد، الجميع قادة، لا أحد يريد أن يكون مديرا، الجميع قادة، لا أحد يريد أن يكون تابعا. يا له من أمة غريبة!

الاستراتيجيون السودانيون — وخاصة العسكريون منهم — مضحكة دائما ما يتحدثون هراء عند مقابلاتهم الكثيرة على شاشة التلفزيون الوطني. هم يدافعون باستماة وبلا تفكير أو وعى عن مواقف وسياسات سلطة الأمر الواقع العسكري. نادرا ما يستمع الناس إلى تحليلاتهم غير المنطقية؛ ومع ذلك، فهم يصرون على عبثهم. من ناحية أخرى، السياسيون السودانيون نسخة طبق الأصل من الاستراتيجيين العسكريين. لديهم نفس العقلية، والمواقف، وقصر النظر. عندما تجري مقابلات معهم على شاشة التلفزيون الوطني، يتبعون نفس خطى الاستراتيجيين العسكريين. يستمرون في إلقاء خطب رتيبة وبلاغية مليئة بالمصطلحات السياسية المملة. علاوة على ذلك، يسعى كل منهم للتخلص من خصمه السياسي.

السياسة في السودان عملية قاسية. إنها لعبة محصلتها صفرية حيث البقاء فقط للأقوى والأكثر فوضى وليس للأصلح. بالطبع، الأقوى ليس مرادفا للأصلح. للأسف، يعاني السودان من آلهة السياسية — عسكرية ومدنية — المتخصصة في إلحاق الأذي والمعاناة والمصاعب بالشعب السوداني. ولأنهم ‘آلهة سياسيون’، نادرا ما يموتون أو يستقيلون أو يغادرون المشهد السياسي. المأساة الحقيقية لهذا البلد التعيس هي هذه الديناصورات السياسية الأحادية التي لا تريد أن تختفي أو تتقاعد.

لحسن الحظ، يخبرنا التاريخ أن هذه الكائنات ما قبل التاريخ، الديناصورات، انقرضت ببساطة لأنها فشلت في التغيير والتكيف والتعامل مع البيئة الديناميكية والمتغيرة باستمرار. من ناحية أخرى، لم تنقرض البعوضة رغم صغرها وحجمها ببساطة لأنها مستمرة في التكيف والتغير لتناسب البيئة المحيطة. التغيير هو حقيقة من حقائق الحياة وحيوية للتقدم، وهي حقيقة يعرفها الجميع على هذا الكوكب باستثناء السياسيين السودانيين الذين لا توجد ثقافة التغيير في معاجمهم. التغيير أمر لا مفر منه، فهو الثابت الوحيد في الحياة، ولهذا لا بد للإغنسان أن يطور علاقاته بشكل جيد معه.

أختم هذا المقال بتحذير: لقد حان الوقت للديناصورات الضخمة للانسحاب من المشهد السياسي قبل أن تنقلب قوى البعوض الباطشة ضدهم. لقد حان الوقت للقادة السياسيين القدامى لإفساح المجال للأجيال القادمة لتتولى القيادة. لقد حان الوقت للمؤسسة العسكرية أن تهتم بأعمالها ومهمتها النبيلة. تم الاستيلاء على العديد من الأراضي السودانية بينما كان المؤسسة العسكرية مشغولة جدا بالسياسة. لقد حان الوقت للسياسيين السودانيين لإعادة النظر في أجندات أحزابهم السياسية ومراجعتها وسودنتها بطريقة تخدم مصالح الشعب السوداني. الشعب السوداني قد سئم من أجنداتكم الخارجية المعقدة. لقد حان الوقت للطوائف الدينية للتركيز على ولاياتها الدينية العزيزة والابتعاد عن السياسة والاشتباكات السياسية. لقد حان الوقت لمنظمات المجتمع المدني السودانية لتمكين نفسها وتزويدها بالمعرفة والمهارات التحولية المحدثة لتحسين أدائها. أنتم من تقع على عاتقكم مسؤولية تحمل عبء عملية التحول. أنتم، القطاع الخاص، الحلقة المفقودة؛ أنتم من تمتصون دم هذه الأمة، وجعلتموها بلا حياة. الآن، حان وقتكم ودوركم أن تشدوا من سواعكم وتبدأوا بصدق في بناء السودان مع الآخرين.

لا للحرب ولا للكسل السياسي

Mawada Hamad

مودة حمد صحفية سودانية رئيس تحرير منصة (The African Lens) متخصصة في التحقق من المعلومات (fact_checking) مهتمة بقضايا اللاجئين والنساء والاطفال .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى