Uncategorizedقصص
أخر الأخبار

ارواح مفقودة

ثلاثة قلوب تنتظر اما لم تعود

قصة : مودة حمد

كل صباح، وقبل أن تشرق الشمس بالكامل على مخيم كرياندونغو للاجئين في أوغندا، يستيقظ محمد وأحمد على صوت والدهما وهو يشعل موقدًا صغيرًا لإعداد الشاي ، في ذلك الصباح، كان محمد، ذو العشر سنوات، و شقيقه أحمد، الأصغر منه بعامين، يجلسا بصمت ، ينظران إلى اكواب الشاي بين يديهما ، كان يوم سبت وهو عطلة مدرسية، ولهذا كانا يستعدان للذهاب إلى الخلوة لحفظ القرآن الكريم. بديا كأي طفلين عاديين ملابسهما رغم تمزقها نظيفة، وشعرهما مرتب، لكن خلف تلك الصورة البسيطة كانت تختبئ قصة من الألم يصعب على طفلين صغيرين أن يتحملاها .
يعيش عاصم في الخامسة والأربعين من عمره في دكان طيني امامه عريشة من القش في سوق المخيم يستغل الدكان كغرفة للعيش فيها مع طفليه محمد وأحمد، بينما يضع مطحنتين صغيرتين للبن والبهارات على طاولة خشبية يعمل فيهما كأجير بعد ان سمح له صاحب الدكان للعيش فيه، جاء الرجل الى المخيم بعد رحلة طويلة من الخوف والفقدان والنجاة، حملني فضولي اليهم عندما سمعت عن قصة رجل يعيش في المخيم يرعى طفليه دون زوجته، وعندما التقيت بهم صدمتني الرواية التي تتجاوز فقدان الام بكثير .
بدأت المأساة في منطقة ود عماري بالكلاكلة جنوب الخرطوم. عندما دخلت قوات الدعم السريع المنطقة في منتصف عام 2023، انتشر بين السكان حديثا بأن والد زوجة عاصم يعمل في الشرطة الأمنية السودانية. لم يكن الرجل منتميًا لأي جهة، لكن انتماء الصهر كان كافيا لتحويل حياته إلى جحيم.

في شهر يوليو 2023، اعتقلته قوات الدعم السريع مع صهره. أمضى عاصم أكثر من ثلاثة أشهر في الاحتجاز، تعرض خلالها للاستجواب المتكرر والشكوك المستمرة. وبعد أن لم يجدوا دليلًا ضده، أطلقوا سراحه وصهرة، لكنهم فرضوا عليهما الحضور يوميًا إلى مقر استخباراتهم.
لم تنتهِ المعاناة عند ذلك الحد فبعد هروب والد زوجته إلى أم درمان، أعيد اعتقاله مرة أخرى، هذه المرة استمر الاحتجاز خمسة أشهر كاملة، تعرض خلالها لتعزيب مستمر من خلال الضرب المبرح على رأسه وفي أنحاء متفرقة من جسده ، كان يسمع التهديدات يوميًا؛ تهديدات بقتله، واغتصاب زوجته، وقتل أطفاله.
كانت زوجته وأطفاله آنذاك ما يزالون في منزلهم بالكلاكلة، يعيشون تحت وطأة الخوف والقلق والانتظار والدعاء، لا يعلمون إن كانوا سيرونه مجددًا أم لا.
لكن في نهاية الامر بعد ان تعب معذبوه من الاسئلة المتكررة دون اجابة تشفي غليلهم اطلقوا عليه النار ، أصيب حينها بإصابات متعددة في رأسه وساعده الايمن وعلى حوضه ، ظل ينزف لساعات طويلة قبل أن يتم إطلاق سراحه ، عاد إلى منزله منهكًا ومثقلًا بالجراح.

لكنه وجد صدمة جديدة في انتظاره؛ زوجته لم تكن هناك! أخبره الجيران أنها اعتُقلت ، وتركت الاطفال لديهم ، لم يكن أمامه سوى إنقاذ طفليه، حمل محمد وأحمد وغادر الخرطوم بحثًا عن مكان آمن وعلاج لجراحه ، وصل الى منطقة القطينة وهناك تم اعتقاله واطفاله مرة اخرى من قبل الجيش كانت الشبهة هذه المرة سببها جراحة النازفة، والتهمة الهروب من ميادين الاقتتال ، كان التحقيق مع الاطفال حينا ومعه مرات اخرى الى ان اطلق الجيش سراحه مع طفليه وصل عاصم منهكا الى مدينة كوستي لكن لم يكن امامه الصبر للخروج من السودان واصل السفر الى مخيم بمنطقة (ابيى) على الحدود بين دولة السودان وجنوب السودان في رحلة مؤلمة جدا ، وبعدها عبروا حدود جنوب السودان وصولا الى مخيم ( نيومانزي) في الحدود بين اوغندا وجنوب السودان ، حتى استقر بهم المطاف في معسكر (كرياندونغو) شمال أوغندا.
امضى الرجل ستة اشهر متنقلا من معسكر الى اخر ، انقطعت اخباره عن اسرته تماما ، كان يعيش مع طفليه بين القلق والأمل في ان يسمع اخبارا طيبة عن زوجته وهو يحاول إخفاء ألمه حتى لا يراه الصغيران.
في مارس 2024، وبعد أن حصل على بعض المساعدة المالية من إحدى المنظمات الإنسانية، تمكن أخيرًا من شراء هاتف والاتصال بأشقائه في الخرطوم، أخبرهم أن القدر ساقه ليلجئ الى أوغندا مع طفليه.
لكن الحقيقة الكاملة لم تُكشف له حينها وكلما سأل عن زوجته كان اشقاؤة يتحاشون الحديث عنها الى ان استجمع احدهم قواه وكشف عن ما يخبؤونه قائلا: (نعم تم اعتقالها واغتصابها )
يقول امير وهو يصف لي احساسه حينها : (كأن صاعقة ضربتني وشلت كل اجزاء جسدي) ، كان يحكي والدموع تنهمر من عينيه وهو يمسك بمسبحته وشفاهة جافة من صيام نهار ذلك اليوم الحار.
قص عليه شقيقه ما حدث عندما كانت في المعتقل ، فقد تعرضت زوجته للاعتقال، والاغتصاب والتعذيب داخل السجن لكنها اجهضت الجنين ، كما تعرضت لانتهاكات تركت آثارًا نفسية عميقة عليها، ومنذ ذلك الوقت وهي تعاني من اضطرابات نفسية شديدة ما زالت تؤثر عليها حتى اليوم.
عندما كان يتحدث امير عن زوجته بصوت يرتجف وعبرة تخنقه كانت دموعه تنهمر دون أن يستطيع السيطرة عليها. لا يبكي على نفسه أو على شهور الاعتقال أو حتى على الجراح التي ما تزال آثارها في جسده وعطلت زكورته، بل يبكي لأن المرأة التي أحبها وحلم معها بحياة بسيطة أصبحت تحمل كل هذا الألم وحدها، كان يتحدث والحنين يملاء قلبه عن ألمها الذي تتعايشه فوق فقدانها لطفليها وبعدهما عنها.
أما محمد وأحمد، فقد وجدا نفسيهما في عالم مختلف تمامًا. ورغم كل ما مرا به، ما زالا يتمسكان بما تبقى من طفولتهما، يمارسان اللعب والانتظار
عندما زرت تلك الاسرة المنكوبة في أحد أيام العطلة المدرسية، كان الطفلان يستعدان للذهاب إلى الخلوة لتعلم القرآن الكريم. كانا يرتديان ملابس نظيفة ومرتبة ، كان يحمل كل منهما كوبًا من الشاي الدافئ قبل مغادرة المنزل. بدوا كأي طفلين عاديين وكأن سيدة تعتني بهما، لكن خلف ابتساماتهما كانت تختبئ حكاية طويلة من الفقد.
وعندما سئلتهما عن والدتهما، لم يستطيعا إخفاء مشاعرهما، امتلأت أعينهما بالدموع، وسرعان ما انفجرا بالبكاء.
إنهما يفتقدان أمًا لا تزال حاضرة في قلوبهما رغم الغياب.
كل يوم تقريبًا تتصل الأم بأطفالها عبر الهاتف. يحاولان أن يبدوا أقوياء أمامها، بينما تحاول هي أن تخفي آلامها عنهما. لكن المسافات الطويلة لا تستطيع أن تمنع الشوق، ولا أن تمحو آثار الحرب.
في المقابل، يبذل الأب كل ما يستطيع ليعوض أبناءه عن غياب أمهم، يطهو لهم الطعام، ويغسل ملابسهم، ويتابع دراستهم، ويهتم بنظافتهم، يحاول أن يكون أبًا وأمًا في الوقت نفسه.
قد لا يملك منزلًا حقيقيًا، ولا مصدر دخل ثابتًا، ولا مستقبلًا واضح المعالم، لكنه يملك شيئًا آخر أكثر أهمية: إصرارًا لا ينكسر على حماية طفليه ومنحهما فرصة للحياة وسط الخسارات الكثيرة .
وفي كل ليلة، عندما ينام محمد وأحمد بأمان إلى جوار والديهما داخل تلك الغرفة الطينية وفوق لحاف يضمهم ثلاثتهم ، يدرك عاصم أن معركته الحقيقية لم تعد من أجل النجاة فقط ، بل من أجل أن يبقى لهما وطن صغير في هذا العالم المضطرب.

Mawada Hamad

مودة حمد صحفية سودانية رئيس تحرير منصة (The African Lens) متخصصة في التحقق من المعلومات (fact_checking) مهتمة بقضايا اللاجئين والنساء والاطفال .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى