Uncategorizedمقالات
أخر الأخبار

دكتور محجوب سليم يكتب…

السيادة مقابل نزع الإنسانية

إلى متى يجب أن تستمر هذه الحرب الداخلية والوحشية المستمرة قبل أن يتفق الشعب السوداني على كفايتها وأن عليها أن تتوقف الحرب الأن فبل غد؟ ما هي تلك النقطة التي تتحول عندها هذه الحرب العبثية الي سلام. حان الوفت لنقول للوردات الحرب ‘كفى خراباً كفي دماراً’ ويجب أن تنتهي هذه الحرب العبثية؟ هل كان لدى أمراء الحرب السودانيين الذين أشعلوا هذه الحرب المدمرة أي إطار زمني لهذه الحرب، أم أنهم فقط أشعلوها وتركوها تقعل ما تشاء؟ هل قاموا بأي حسابات أو تقديرات دقيقة لأعداد القتلى والضحايا لهذه الحرب المدمرة ثم قرروا الدخول فيها؟ ما طبيعة هذه الحرب العبثية؟ هل هي حرب تقليدية، حرب مقدسة، أم حرب من أجل الكرامة؟ أم أنها حرب بلا معنى تخاض من أجل المجد للبندقية، أم هي حرب أيديولوجية من الدرجة الأولي، أم ماذا؟ ألا يعلمون أن مثل هذه الحرب غير المحسوبة عواقبها ستجلب عناصر وكيانات خارجية إلى البلاد؟ ألا يعلمون أن مثل هذه الحرب غير المحسوبة عواقبها ستثير شهية الكثير من الدول الأجنبية وتغذي أو تشجع علي التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد؟ ألا تعلم حكومة الأمر الواقع العسكرية أن هناك العديد من الدول الأجنبية والشركات العالمية قد استثمرت المليارات من العملة الصعبة في السودان، وأن من حقهم حماية تلك الإستثمارات بكل الوسائل الممكنة؟ ألا يعلم أمراء الحرب السودانيون أن العالم الأن يعيش قي حالة من الندرة في الموارد، الأمر الذي يدفع تلك الدول تحت أي ذريعة للتدخل في شوؤن الدول الغنية بالموارد لنهب مواردها؟ إلى متى يجب أن تستمر هذه الحرب الداخلية والوحشية قبل أن يتفق الشعب السوداني على أن السيل قد بلغ الزبا ويجب لهذا الحرب أن تتوقف؟ هذه الأسئلة ظلت تشغل أذهان السودانيين لفترة طويلة جدا. يريدون معرفة ما يحدث حولهم وقد سئموا من الحروب. يريدون أن يكونوا مكتفين ذاتيا—يزرعون طعامهم بأنفسهم ويرعون حيواناتهم بأنفسهم بدلا من الإعتماد على المساعدات والإغاثة والصدقات

إعلان الحرب، عندما يترك للعسكر وحدهم، يصبح الأمر مأساة كارثية. إعلان الحرب ليس مجرد قرار عسكري، بل هو قرار سياسي من الدرجة الأولي. لذلك فإن قرار الحرب ليس بالمهمة السهلة، لأنه يترتب عليه تداعيات وتعقيدات وعواقب هائلة تتطلب حسابات دقيقة ومدروسة بشكل جيد. للأسف الشديد حكومة الأمر الواقع العسكرية لديها عقيدة واحدة فقط: “shoot to kill” والتي تعني في لغتنا السودانية العامية ‘بل بس’. الأن حكومة الأمر الواقع العسكرية واقعة في هذه المأزق كبير وتبحث عن أي مخرج لها من هذه الورطة. كثير من الشخصيات الدولية الحسنة النية، بالإضافة إلى القادة الحكماء الوطنيين والمحليين قدموا النصح لها بضرورة تسليم السلطة للمدنيين والعودة إلى مهامهم المهنية. لكنهم رفضوا كل تلك النصائح تماما. الأطماع الشخصية والسياسية والغرور ورؤيتهم القاصرة عمتهم عن أي نصيحة.

مؤخرا، في 15 أبريل 2026، إجتمع أعضاء رفيعو المستوى من المجتمع الدولي—بمن فيهم ممثلون من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية غير الحكومية والهيئة الحكومية الدولية للتنمية (IGAD)—في مؤتمر برلين لمعالجة الأزمة الإنسانية في السودان. المشاركة شملت الإتحاد الأفريقي، الإتحاد الدولي للحكومة الأفريقية (IGAD) ، جامعة الدول العربية، الإتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، فرنسا، وألمانيا ومنظمات دولية أخري كثيرة. على الرغم من هذا التجمع الكبير، رفض السودان تماما نتائج ومخرجات ذلك المؤتمر ووصف المشاركين بالتحيز. ترى الحكومة الأمر الوقع العسكرية مؤتمر برلين كتدخل صارخ في الشؤون الداخلية السودانية. كما ترى أن سيادة السودان تنتهك بشكل صارخ، وتؤكد أنه لا يحق لأحد التدخل في الشؤون السودانية دون موافقتها. يتساءل المرء حقا عن هذه العقلية الغبية. باختصار، يجب إعادة النظر في مفهوم السيادة وإعادة تعريفها لإزالة مثل هذه التفسيرات المضللة عن ذهنية العسكر.

في مثل هذا الوضع، أي حديث عن السيادة الوطنية أو الشؤون الداخلية من قبل حكومة الأمر الواقع العسكرية هو حجة سطحية لا أساس لها. سواء أراد الشعب السوداني أو حكومة الأمر الواقع العسكرية ذلك أم لا، ستتدخل الدول الأجنبية والكيانات الدولية في الشؤون الداخلية السودانية لحماية مصالحها الجيوسياسية. سيتدخلون في شؤون السودان لحماية مصالحهم الإقتصادية ومصالحهم الإستثمارية. ستتدخل القوات الأجنبية والمجتمع الدولي والجهات الحقوقية في شؤون بلدكم طالما حكومة الأمر الواقع العسكرية تقوم بحرمان شعبها من الوصول إلى المساعدات الإنسانية. المجتمعات الإقليمية والدولية لن تسمح لك باستخدام السيادة الوطنية كحصان طروادة لقهر وإذلال شعبك. لم يعد الإختباء خلف السيادة الوطنية وسيلة لحماية الأنظمة الإستبدادية من الخضوع أمام أجهزة المجتمع الدولي، والسودان ليس استثناء. لم تعد معاملة الدولة لمواطنيها مجرد قضية داخلية، بل أصبحت مسألة دولية ضمن نطاق عمل أجهزة المجتمع الدولي.

السيادة وتجريد الناس من إنسانيتهم حدثان متعارضان حيث أنهما لا يحدث في نفس الوقت. لا يمكنك الحديث عن السيادة وأنت تجرد مواطنيك من إنسانيتهم. المخرج الوحيد هو بناء دولة ذات سيادة حقيقية، وإنشاء قائمة على سيادة القانون، والقيادة والحوكمة الرشيدة وتطبيق نظام ديمقراطي، وإنشاء دستور وطني دائم، ووضع مشروع وطني وخطة استراتيجية. في مثل هذا البلد، سيقف جميع المواطنين، دون استثناء، خلف قيادتهم دفاعا عن سيادتهم الوطنية لبلادهم. لا بد من إعادة تعريف السيادة كمفهوم بشكل بسيط ومختصر لحكومة الأمر الواقع العسكري عسي ولعل.

تعريف السيادة هو الحق الحصري في ممارسة السلطة السياسية العليا (التشريعية، القضائية، التنفيذية) على منطقة جغرافية أو مجموعة من الناس أو شؤون الفرد الخاص، بينما الدولة ذات السيادة هي كيان سياسي مستقل له إقليم محدد، وسكان دائمين، وحكومة تملك السلطة العليا على شؤونها الداخلية والخارجية. هذه التعريفات الواضحة للسيادة والدولة ذات السيادة ليست واضحة لحكومة الأمر الواقع العسكرية في السودان حيث أنها تفسر السيادة بشكل خاطئ. حكومة الأمر الواقع العسكرية تفسر السيادة بطريقة تخدم طموحاتهم ومصالحهم الشخصية والسياسية. إن تجريد الشعب السوداني من إنسانيته، وشيطنه، وإدانته، وتشويه سمعته، هي أجزاء مكونة من تعريفهم للسيادة. للأسف، استخدمت حكومة الأمر الواقع العسكرية هذا التفسير الخاطئ عمدا للسيادة لمنع الكيانات الدولية من التدخل لمساعدة المواطنين الضعفاء. نحتاج إلى جعل حكومة الأمر الواقع العسكرية تفهم تماما أن السيادة ليست معاملة الناس بشكل غير إنساني. من المؤسف أن حكومة الأمر الواقع العسكرية تستخدم السيادة الوطنية لتبرير أفعالها السيئة. المجتمع الدولي يعمل بشدة على إبلاغ حكومة الأمر الواقع العسكرية بأن الوقت قد حان لإعادة السلطة إلى حكومة يقودها مدنيون ولديها فهم أعمق للسيادة الوطنية..

وأختتم بالقول إن هشاشة الجبهة الداخلية السودانية تجعلها غير قادرة على حماية سيادة الأمة. نقطة الضعف هذه ليست جديدة؛ لها أسبابها الجذرية العميقة. الدافع الرئيسي لهذه الهشاشة هو تردد القيادة السياسية السودانية في مساعدة شعوب الوطن على أن تصبح شعباً واحداً متماسك، مما يؤدي الي غياب هوية وطنية واحدة. علاوة على ذلك، فإن ظاهرة خطاب الكراهية واللغة النمطية ليست تحت سيطرة الدولة. حماية السيادة الوطنية هي مسؤولية القيادة الديمقراطية وأيضاً المواطنون الواعون. الهوية الوطنية الموحدة هي الضمان الوحيد لحماية سيادة الوطن؛ وإلا، ستستمر الدول الأجنبية والجهات الدولية في التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد رضيت أم أبيت.

لا للحرب، نعم للسلام المستدام والعادل

محجوب سليم
كمبالا – أوغندا
5 مايو 2026

Mawada Hamad

مودة حمد صحفية سودانية رئيس تحرير منصة (The African Lens) متخصصة في التحقق من المعلومات (fact_checking) مهتمة بقضايا اللاجئين والنساء والاطفال .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى